مصطفى محمود

مدونيتا

بحث يتناول بإيجاز سيرة المفكر الراحل الدكتور مصطفى محمود 
مقدمــــــة 
د."مصطفى محمود" واحد من أبرز مفكري العصر الذين شغلوا الساحة الفكرية والثقافية على مدار نصف قرن، بكتاباته الجريئة التي تحرك مياه الواقع الراكدة.     

ارتبط اسم الدكتور "مصطفى محمود" في أذهان العامــة بأعماله الخيرية، والمستشفـــى الشهير الذي يحتل موقعا متميزا في أحد أرقى الأحياء بالجيزة وهو حي المهندسين الغني عن التعريف. فقد قام الدكتور "مصطفى محمود" بإنشـاء مسجــد في القاهـــرة باسمه هو "مسجد مصطفى محمود" عام 1979، ويتبع له "جمعية مسجـــد محمود" والتي تضــــم "مستشفى محمود" و"مركز محمود للعيون"، ومراكز طبية أخرى تقدم خدماتها لقطــاع عريض من الناس. 

ولا يكاد يوجد في مصر أو الدول العربية أحدٌ إلا أشاد بمجهوداته الخيرية وسعيـــــــــــه المتواصل لخدمة الفقراء والمعوزين ومتوسطي الحــال. وارتبــط اسمــه كذلك بالبرنامج الظاهرة (العلم والإيمان) الذي امتد حضوره ووهجــــه وانتشاره لسنوات طــويلــة خلال الثمانينات.

بحر متلاطم .. ورياح هوجاء !!
عندما اعتنق الماركسية وآمن بالمادية، وشك في الأديان، وأعلن عن ذلك في كتابـــه ( الله والإنسان)، قامت الدنيا ولم تقعد، وكان نتيجةً لذلك أن صدر قرار بمصادرة الكتاب ومنــع تداوله في الأسواق سنة 1951، وتقديمه للمحاكمة!! 

ودخل في مجادلات حادة وعنيفة عكست مــــدى قدرته الرهيبــــة على مناقشة كل فكـــرة ومجادلة كل رأي وعدم التسليـــم بالأشياء كما هي وكما تبــدو عليه، واستمـــر على حالته هذه تتجاذبه الأنواء وتتقاذفه العواصف والرياح، إلى أن استقــــــر أخيراً ورســـت سفينته الحائرة على شاطئ الإيمان، وسجل نهاية هذه الرحلة المنهكـة في كتابه (رحلتي من الشك إلى الإيمان) .

وتتابعت كتاباته ومقالاته العديدة تترى وتتوالـى بغزارة وتدفــق غير عاديين في الصحف والمجلات والدوريات المختلفة، فكان يكتب وينشر في مجــــلات (الرسالة) التي نشر فيها أول قصة له، و(النداء) و(التحرير) و(صبــاح الخير) و(روزاليوســف) و(الشبــاب) وفي (الأهرام) و(الأخبار)،... وغيرها.

ولم تنته معاركه ومجادلاته عند حــــد مسألة شكــه ووصوله إلى الإيمان بل تجاوزتها إلى إثارته للعديد من المناقشات والمعارك حول بعض اجتهـــاداته الدينية، ويكفي أن نشير فقط إلى معركتي كتاب (محاولة لفهم عصري للقرآن)، وكتــــاب (الشفاعة) اللذين دار حولهما الكثير من الجدل الساخن والنقاش الحاد اللذين وصلا لأبعــد مدى باتهام البعض له بمروقه عن الدين، وخروجه من الملة!!

البدايات: 
هو المفكر والكاتب والأديب والفيلسوف والعالم والطبيب المصري الشهير الدكتـــــــــــور "مصطفى كمال محمود حسين" الشهير بـ" د.مصطفى محمود" الذي ولد في 25 ديسمبــر سنة 1921م، في شبين الكوم بمحافظة المنوفية، التي نزح منها منتقلا إلى طنطا عاصمــة محافظة الغربية، والتحق بالمدرسة الأولية بها، وفيها تعلم القراءة والكتابة وحفظ ســـــوراً من القرآن الكريم، وكان لميلاده ونشأته في مدينة طنطا محط رحال مريدي "السيـــــــــــد البدوي" ومحبيه الأثر الأكبر في عشقه وتشبعه بالأجواء الروحانية والأطياف الصوفيــــة التى ستتجلى فيما بعد بوضوح في كتبه وأبحاثه ومقالاته. 

يقول مصطفى محمود عن تلك الفترة وتأثيرها عليه:
( ...  الحياة في طنطا في جوار السيـــــد البدوي، وحضــــور حلقات الذكر والمولد والناي ومذاق القراقيش وابتهالات المتصوفة والدراويش.. كان لها أثر في تكويني الفني والنفسي)

و في أثناء دراسته بالمدرسة الابتدائية بطنطا مال إلى العلوم الطبيعية والكيمياء والفــــلك، وعندما انتقل إلى المدرسة الثانوية زاد حبه لهذه المواد وشغفه بها، حتى إنه أعد في بيتــــه ما يشبه المعمل الصغير كان يمارس فيه تجاربه العلمية الصغيرة.

التحــــق بكلية الطب عام 1946، وتخــــرج فيها عــــــام 1952، وأمضى فترة الامتياز، وتخصص في أمراض الصدر، وظل يمارس مهنته الطبيــــة حتى عام 1960، وهو العام الذي تفرغ فيه للبحث والكتابة بشكل كامل.

تزوج مصطفى محمود عام 1961، وانتهى هذا الزواج عام 1973، وأسفر عن ولديــــــه "أدهم" و"أمل". ثم تزوج مرة ثانية عام 1983، ولكنه لم يستمر أيضا كسابقه وانتهـــــــى بالطلاق عام 1987.

العلم والإيمان:
يعد من الأسباب الأساسية لانتشار وشهرة الدكتور "مصطفى محمود" في مصر والعالمين العربي والإسلامي برنامجه الناجح الذي ذاع صيته وانتشر في الآفاق انتشـــــــار النار في الهشيم، والذي كان ينتظره الملايين في كل أنحاء العالمين العربي والإسلامي، وينتظـــــره الناس بشغف ولهفة كل أسبوع، يستوي في ذلك الشغف وتلك اللهفة الرجلُ والمرأةُ والطفلُ والشيخُ الكبير... الكل كان ينتظر الحلقة الأسبوعية من برنامجه الرائع "العلم والإيمــــان" الذي كان يُسجل ويُذاع كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع على القناة الأولى بعد نشرة التاسعــة، في فترة الثمانينات من القرن المنقضي.

قدم الدكتور مصطفى محمود 400 حلقة كاملة من هذا البرنامج الذي أعيدت إذاعة معظــم حلقاته بعد ذلك على العديد من القنوات الأرضية والفضائية، ومازال إلى الآن يحظــــــــى بنسبة مشاهدة كبيرة يندر أن تتحقق لغيره من البرامج.

جهد ثقافي عملاق 
أثرى الدكتور "مصطفى محمود" المكتبة العربية بأكثرمن ثمانين كتاباً تتنوع ما بين الكتب العلمية والدراسات الفلسفيــة والإبداعات الأدبية والمقالات السيــــاسيــــة والاجـتمــــاعية، والنظرات الدينية والفكرية والرحلات والتصوف.

فهو من القلائل الذين حاولوا في كتاباتهم العلمية أن ينحوا نحو التبسيط في عرض أعقـــــد النظريات والمسائل العلمية عن طريق الشرح المبســــط وضـــرب الأمـــثلة الشارحــــــة الموضحة، يتضح هذا في كتبه العلمية العديدة، مثل :(أينشتين والنسبية( .

وتمثل إسهامه الأدبي في إبداعاته العديدة ما بين روايـــــة، وقصة قصيرة، وأدب رحلات، ويعد الدكتور" مصطفى محمود" من الكتـــاب البــارزين للقصة القصيرة من جيل الوسط، وقد كتب العديد من المجموعات القصصية المتميــــــــــزة مثل: (عنبر7)، و(شلة الأنس)، و(رائحة الدم)، و(أكل عيش)، وغيرها. 

كذلك يعد "مصطفى محمود" من أهم كتاب الرواية وبالأخص رواية (الخيال العلمي) التي ساهم بالكتابة فيها بأعمال مميزة، - نذكر منها رواياته الشهيرة (رجل تحت الصفــــــــر)، (المستحيل)، (الأفيون) - ، تعد علامات في رواية الخيال العلمي المكتوبة باللغــــة العربية شأنه في ذلك شأن أعظم كتاب رواية الخيال العلمي في مصر، مثل "نهاد شريـــــــــــف"، و"صبري موسى"، و"رءوف وصفي".

ومن الجوانب المهمة التي يجدر التنويه بها أن الدكتور" مصطفى محمود" من أوائــل من اتخذوا في كتابتهم للرواية منحى تجريبياً بارتياده طريق تيار الوعي (وهو الــــذي لا يتخذ في كتابة الرواية، مع "محمد عوض عبد العال"، و"عبد الفتاح رزق"، و"مجــــيد طوبيا" وغيرهم ممن سلكوا هذا الطريق من جيل الستينات ومن تلاهم.

أما عن أدب الرحلات فيكفي أن نشير إلى أنه من المعدودين من كتاب أدب الرحـــلات في مصر والعالم العربي، ووضع اسمه ضمن البارزين في هذا الفن، مع "محمود تيمـــــور"، و"حسين فوزي" و"أنيس منصور"، و"عبدالله الطوخي"، و"عبد الفتاح رزق"، و"خيري شلبي"، وغيرهم. وقد نال جائزة الدولة التشجيعية في أدب الرحلات عام 1975، عـــــــن كتابه
(مغامرة في الصحراء ) .

وعن كتاباته في الفكر الإسلامــي وآرائه الجــريئة في بعض القضايــا الشائكة والحساســة فحدث ولا حرج! فهو صاحب الكتب والبحوث التي أثارت من المعارك وردود الافعال مـا ظل يشغل الساحة الفكرية والدينية لفترات طويلـــة، فقـــد اشتبـك – فكرياً – مـع العديد من أعلام الفكر والدين في موضوعات مازالت إلى الآن محل خلاف.

أشهر مؤلفاته 
 - أينشتين و النسبية

 - مسرحية جهنم الصغرى

 -مغامرة فى الصحراء

 - لغز الموت

 - من أمريكا إلى الشاطئ الآخر

 -مقالات مختارة لمصطفى محمود

 -مقتطفات من أناشيد الإثم و البراءة

 -مقتطفات من كتاب الروح والجسد

 -الخروج من التابوت

 -الشيطان يحكم

 -السر الأعظم

 -العنكبوت

 -الإسلام ماهو

 -الإسلام السياسي والمعركة القادمة

 -القرآن محاولة لفهم عصري

 -القرآن كائن حي

 -حوار مع صديقى الملحد

 -رأيت الله

 -رحلتي من الشك إلى الإيمان

 -سواح في دنيا الله

 -عصر القرود

معاركه الفكرية 
لعل من أشهر هذه المعارك معركته مع الدكتورة "عائشة عبد الرحمن" (بنت الشاطئ) حول كتاب (القرآن محاولة لفهم عصري)، فقد كانت من أعنف المعارك الفكرية حـــول الإعجاز العلمي للقرآن، ودارت هذه المعركة الفكرية في أوائل السبعينات على صفحات جريدة الأهرام وتحديداً أهرام الجمعة، وعلى مـــــــدار شهرين كاملين (مارس وإبريل)، وكانت الدكتورة "عائشة عبد الرحمن" ترد على مقــالات مصطفــى محمــود التــي كان ينشرها آنذاك على صفحات مجلة (صباح الخير ).

ومعركة أخرى دارت أحداثها منذ عدة سنوات عندما أصدر كتابه (الشفاعة) وثــــــارت حينها زوابع وعواصف من قبل رجال الدين والفقهاء الذين أنكروا عليه ما ذهب إليـه من آراء وأفكار، وكُتِبَ في الرد عليه العديدُ من الكتب والمقالات في الصحف والمجـــــلات اليومية والأسبوعية.
وكان لمصطفى محمود دور بارز في الكشف عن حقيقة الأفكار والمعتقدات البهائيـة في كتابه – الذي يعد من أوائل الكتب التي تناولت هذا الموضوع – (حقيقة البهائية).

وتميز أسلوب "مصطفى محمود" بالبساطة والسلاسة المتناهية، التي تشد القارئ وتجعله منجذبا لموضوعه الذي يقرأه، هذا بالإضافة إلى قدرته الخارقة على تطويع اللغة تطويعاً عجيباً بحيث تكون في النهاية سلسة مطواعة يشكلها ويشكل بها ما أراد وما يريد.

توفى الدكتـــور مصطفــى محمود فى الساعــة السابعــة والنصف من صباح السبت 31 أكتوبر 2009 الموافق 12 ذو القعدة 1430 هـ، بعد رحلـــــة علاج استمرت عدة شهور عن عمر ناهز 88 عاما، مخلفاً وراءه ميراثاً علمياً وفكرياً هائلاً ينهل منه كل من أراد.

المراجع : ويكيبيديا الموسوعة الحرة .

بحث عن مصطفى محمود
 

مرسلة بواسطة : مدونيتا6:15 م

أشهر الجوامع في الحضارة الإسلامية

مدونيتا

كان طلبة العلم يُقْبِلُون على الجوامع من كل صوب، حيث هُيِّئَتْ لهم جميع الوسائل لأَجْلِ مواصلة دراستهم والتفرُّغ لها، فكانت تُجْرَى عليهم الأرزاق، وتُبْنَى لهم المساكن، وتُنْفَقُ عليهم الأموال، وقد كانت هذه الجوامع بمثابة جامعات عالمية في وقتنا الحاضر، ومن بين هذه الجوامع:   

الجامع الأموي بدمشق:
الذي بناه الوليد بن عبد الملك، وكانت حلقات الدرس فيه مختلفة؛ إذ كان للمالكية فيه زاوية، وكذلك للشافعية، وكان للخطيب البغدادي حلقة يجتمع الناس إليه ليقرأ لهم دروسًا في الحديث، ولم يقتصر المنهج فيه على العلوم الدينية، بل شمل العلوم اللغوية والأدب، والحساب والفلك.
وجامع عمرو بن العاص بالفسطاط بمصر:
وكان به أكثر من أربعين حلقة دراسية يَؤُمُّهَا الطلبة للدراسة والبحث؛ منها حلقة الإمام الشافعي، وفي منتصف القرن الرابع الهجري بَلَغَتْ حلقاته مائة وعشر حلقات، خُصِّصَ بعضها للنساء، ثم ظهر نظام الإجازة (الشهادات العالية)؛ حيث يُسْتَخْدَم الطالب بعد الإجازة كُتُبَ أستاذه، ويمكنه الرواية عنه. 

والجامع الأزهر:
الذي اكتمل بناؤه في سنة (361هـ)، وأصبح منارة للطلاب من البلاد الإسلامية، وقد أوقف الخلفاء الأوقاف للأزهر، وعَيَّنُوا به المدرِّسِينَ في مختَلَفِ أنواع العلوم؛ ونتيجة للشهرة الفائقة التي امتاز بها جامع الأزهر، وللتسهيلات الجمَّة التي كان يجدها طلاب العلم، فقد كان الطلبة يُقْبِلُونَ على هذا الجامع من كل صوب، حتى قد بلغ عدد الملازمين للجامع سنة (818هـ/ 1415م) -كما يذكر المقريزي- سبعمائة وخمسين رجلاً، ما بين عجم وزيالعة، ومن أهل ريف مصر، ومغاربة، ولكل طائفة رواق يُعْرَفُ بهم.
وقد استمرَّ هذا الجامع مركزًا علميًّا مُشِعًّا، يُؤَدِّي رسالته عَبْرَ التاريخ؛ فيُخْرج العلماء، وتُؤَلَّف به المؤلَّفَات، فكان بحقٍّ مدرسة جامعة للعلم وأهله. 

وجامع الزيتونة بتونس:
الذي تمَّ بناؤه زمن خلفاء بني أمية؛ حيث كان المؤسِّس الأوَّل لجامع الزيتونة الأمير عبيد الله بن الحبحاب والي إفريقية من قبل هشام بن عبد الملك ، ثم حصلت زيادات عديدة في الجامع سنة (250هـ/ 864م)؛ حيث قام زيادة الله بن الأغلب -في عهد دولة الأغالبة- بتوسعته، وكان لهذا الجامع منزلة سامية لتدريس مختَلَفِ أنواع العلوم، قام بتدريسها كبار العلماء؛ أمثال: عبد الرحمن بن زياد المعافري، حيث كان من كبار المحدِّثِينَ، وكذلك أبو سعيد سحنون التنوخي، ومنهم الإمام المازري وغيرهم.
وكان طلاب العلم يُقْبِلُون على هذا الجامع من كل صوب لطلب العلم؛ حيث كانت تُدَرَّس فيه كتب التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، ويَصِفُ الحشائشي الحالة العلمية في جامع الزيتونة فيقول: "كان مستبحرًا بالعلوم على اختلاف أنواعها؛ عقليّة ونقليّة، مقاصد ووسائل، حتى كان يقال: إن حذاء كل سارية من غالب سواريه مُدَرِّسًا، وفي خزانته ما ينيف على المائتي ألف مجلد". 

وجامع القرويين:
وتم تأسيس هذا الجامع بمدينة فاس بالمغرب، في عهد دولة الأدارسية ، سنة (245هـ/ 859م)، وفي سنة (322هـ/ 934م) تعهد الأمير أحمد بن أبي بكر الزناتي -من الأمراء الزناتيين- توسعته وزيادته، ومع أوائل القرن السادس الهجري، تمَّ توسعة الجامع وزيادة مساحته حتى اكتسب شهرة فائقة، وكان الجامع يمتاز بمكانته العلمية الفائقة، فكان طلاب العلم يُقْبِلُون عليه من كل صوب؛ للتزوُّد من مَعِينِه، وكان لهذا الجامع ميزانية خاصَّة، نتيجة للأموال الموقوفة، إضافةً إلى الأموال التي كان يتبرَّع بها الأمراء وغيرهم؛ ونتيجة للشهرة الفائقة التي اشتهر بها الجامع، فقد كان طلاب العلم يَفِدُون إليه من البلاد الأخرى، بل إن طلاب أوربا أخذوا يُقْبِلُون على هذا المعهد العلمي، وممَّا يُذْكَر أن الأسقُفَّ جيربير-الذي أصبح فيما بعدُ بابا في رومية باسم سلفستر الثاني سنة (999- 1003م)-
تعلَّم في جامع القرويين بعد أن تعلَّم في جامعة قرطبة. 

بقلم / د. راغب السرجاني

بحث عن اشهر الجوامع في الحضارة الاسلامية   

مرسلة بواسطة : مدونيتا6:10 م

معركة المصطلحات

مدونيتا

يكاد المتابع للحوارات والندوات التي تُعرضُ على شاشات التلفاز، أو صفحات الجرائد والمجلاَّت أن يشكَّ في صحَّة المفاهيم التي ترسَّخت في ذهنه عبر الزَّمن، ويتساءل: أتُراهُ تلقَّى علماً مغشوشاً، أم أنَّ صناعة ـ أو بالأحرى حرفة "تبييض" ـ المفاهيم التي تروِّجُ لها الأجهزةُ الإعلاميَّة الغربيَّة أصبحت مصدرَ ربحٍ مادِّي، وطريقاً إلى النجوميَّة الزَّائفة؛ نجوميَّة يتسابقُ للحصول عليها والفوز بها أربابُ القلم والرِّيشة و "لوحة المفاتيح".

هل انتقلنا فعلاً من "تبييض" الأموال التي خرَّبت اقتصاد بلداننا إلى تبييض المفاهيم المخرِّبة للعقول والمحبِطة للأنفس؟ فقد استبيحت حرمةُ الكلمات، وانتُهِكت المفاهيم، وأضحت تُفصَّلُ حسب الحاجة، ولم يعد "المنجد" ملجأً لمن يريد أن يدقِّقَ ويتحقَّق من معانيها، حيثُ تداخلت وأصبحت أضدادها أشباهاً لها ونظائرَ. إنَّها حرفةٌ جديدة تهدفُ إلى تسويق الكلمات المعدَّلة "جينياً" لكي تدخلَ المجال التَّداولي وتتسق فيه محدثةً بذلك حالةً فوضى المعاني التي لم نشهد لها مثيلاً. أصبحَ الاحتلال تحريراً، وأصبح التَّحريرُ إرهاباً، ولم يعد الإرهاب شيئاً آخر غير الإرهاب الدِّيني، واختُزل ذلك في الإسلام.

تجري هذه المصطلحات على لسان المتحدِّثين وكأنَّهم يُلقُون قصيدةً مُبرمجة آلياً، ولا يبدو عليهم الحرج، ولماذا الحرج في هذا الزَّمن الذي انفتح فيه كلُّ شيء على كلِّ شيء، فلماذا لا تنفتح المفاهيم على بعضها؟!؛ فمنذُ زمن ليس بالبعيد كانت المفاهيم نسبيَّةً، تستمدُ حقيقتها من الإيديولوجية التي تنسب إليها، فنقول مثلاً الحريَّةُ من منظور ماركسي أو ليبرالي أو ديني. أمَّا الآن، وبعد انهيار الأنساق الفكريَّة المنغلقة، فقد اتخذت طابعاً إطلاقياً على الرغم من خصوصيَّة نشأتها.

 ليس ذلك منَّا أسفاً على انهيار الأنساق الفكريَّة المنغلقة، ولا حنيناً إلى عصر الإيديولوجيات حتى وإن كانت متعدِّدةً فإنَّها عقبةٌ أمام النَّظر والتَّأمُّل فتحجبُ بذلك الحقيقة؛ فماذا سيكون عليه الأمرُ إذا أصبحت أيديولوجية واحدةً قاهرةً ومهيمنة؟

كنَّا نظنُّ أنَّ السِّياسي ـ وبحكمِ تعامله مع فنِّ الممكن ـ أكثرُ النَّاس عُرضةً للإقدام على العبث بالكلمات والمفاهيم، لأنَّ الذي يهمُّهُ بالدَّرجة الأولى إضفاءُ شيءٍ من المشروعيَّة على الفعل الذي يقوم به، ويهمُّهُ ثانياً أن تبقى الصًُّورة "معلَّقة" وقابلةً للامتداد والتشكًُّل حسب الحاجة، مثلها مثل خريطة الدُّول التي ترفض أن ترسم حدوداً نهائية لها… ولكنَّ الأمر أضحى أكبر خطورةً بتسارع العديد من المفكِّرين إلى استغلال المنابر المُتاحة ليبشِّروا بالمفاهيم "الجديدة"، ويمضغوا دونما حياء فضلات الدِّعاية السِّياسيَّة الغربيَّة، فيتوسَّعوا في الحديث عن الأصوليَّة الإسلاميَّة والإرهاب الإسلامي، ويدينوا ـ و يَتَزَيَّدُوا في ذلك ـ مَنْ أدانتهم الإدارةُ الأمريكيَّة، ويصفِّقوا لمن تصفِّقُ لهم.

أصبحت أولويَّاتهم نُسخةً طبق الأصل من أولويَّاتها، ورفعوا شعارات محاربة الإرهاب ـ الذي اتَّخذ عندهم شكلاً واحداً ـ ونسوا أو تناسوا الآلاف من الضَّحايا الذين يحصدهم يومياً إرهابُ الفقر وإرهاب الاستبداد. يتناوبون دُفعةً وراء دُفعة أملاً في أن يصبح الكونُ كلُّهُ ناطقاً بلسان واحد، ومفكِّراً بطريقة واحدة، ومَنْ شذَّ عن القطيع أُلحق بمحور الشَّـرِّ. بعضهم يظنُّ أنَّ ذلك من شُرُوط الاعتراف بنا، فلا وجود إلاَّ للأجناس المتماثلة: هكذا تحدَّث الزعيم الأوحد! وينسى هؤلاء أنَّ الاعتراف بالمعدوم محال؛ لأنَّ الاعتراف بالآخر لا يكون ممكناً إلاَّ بالتَّعارُف، والتَّعارُفُ يقتضي الاعترافَ به وليس القضاءَ عليه، وهكذا تكلَّم القرآن:

 (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيْمٌ خَبِيْرٌ) .

ليس مطلوباً من المفكِّر في هذه الحالة العامَّة من الإحباط أن يكون مُلتزماً بقضايا شعبه وأمَّته، فقد قيل إنَّ ذلك زمانٌ قد ولَّى، ولكنَّ المطلوب منه أن يحترم ذاته، ويحترم علمه، ولا يبخسه فيتحوَّل إلى مجرَّد "تاجر للمصطلحات المعدَّلة وراثياً"، لا همَّ له إلاَّ التَّرويج لها، فيدنِّس المقدَّس، ويقدِّس المُدنَّس.

تعلم الشُّعُوب بحسِّها المرهف طبيعياً أنَّها كانت ولا زالت مُكبَّلةً في كثير من حالتها بأنظمة القمع والاستبداد، ولكنَّها تعلم أنَّها ستكون أكثر تكبيلاً في ظلِّ احتلال الأسياد لأراضيها بعد غياب أو عطالة الوسطاء؛ ولذلك فهي ليست في حاجة إلى مَنْ يُعلِّمُها ويكشف لها سرَّ حالها. وهي تعلم أنَّ هؤلاء المدَّعين للعلم الذين يدعونها إلى الاستسلام كانوا يوماً ما عوناً للوسطاء المستبدِّين. ويتوهَّمُ البعض أنَّ الإمعان في إذلال الشُّعُوب سيجعلها أكثر طوعاً وأكثر قبولاً للاستسلام، ولكنَّهم جهلوا أنَّ يقظة ضمير فئة صغيرة من الناس كافيةٌ لتعيد للأمَّة توازنها، وتحيي فيها جذوة البقاء التي ظنُّوها منطفئة.

إن هرول كثيرون طلباً للرضى مسرعين، فعلى أصحاب الفكر أن يتمهَّلوا قليلاً، أو يتثاقلوا في هرولتهم إذا كانوا عاجزين عن الصَّدع بالحق، فلن يمضيَ وقتٌ طويل حتى يقتنع أصحابُ القرار في الغرب أنَّ هذه الأمَّة ترفضُ أن تفنى، وستظلُّ عواملُ البقاء كامنةً فيها، وسيعترفون بخطأ خيارهم المبني على القوَّة في التَّعامل معها، وسيعلمون أنَّ المنطق الوحيد الذي يجب أن يسود هو منطق المصالح المتبادلة.

إنَّها دعوةٌ للمفكِّرين الذين جرفهم التيَّارُ عن وعي أو عن غير وعي إلى التَّوقُّف لحظةً والتَّفكير بعمق في هذه المصطلحات التي غزت لغتنا السِّياسيَّة والثَّقافيَّة، ويُسهموا في تحديد معناها تحديداً دقيقاً يضعُ حداً للتَّلاعُب بها، ويُعيدوا للكلمات دقَّتها. وسيستبين لهم أنَّ المنطق الذي يحكم الصِّراع على مناطق النُّفوذ، والاستحواذ على مقدرات الشُّعُوب، والتَّحكُّم في صياغة المفاهيم وبلورتها منطقٌ واحد، وأنَّه لا فرق بين "القنابل العنقوديَّة" وبين مقولات التَّشكيك في التَّضحية والاستشهاد، فكلُّها أسلحة دمار شامل، الأولى تصيب المنشآت الماديَّة، وتستهدف الأنفس، والثَّانية تصيب الرُّوح وتستهدف النَّيل من مقومات البقاء.

سترتعش يد المقاتل الفلسطيني عندما تصيبه رصاصة التَّشكيك في الهدف الذي يُضحِّي من أجله، فلا تزيدوا الأمَّهات الثكالى اللائي أفرغت أفئدتهنَّ جُرحاً وألماً بالتَّشكيك في نُبل مقاصد أبنائهنَّ الذين ضحُّوا بأرواحهم. سيقول البعض ممَّن يرفعون شعار العقل والتعقل إن العاطفة، والمشاعر تهدم ولا تبني، وتجعلُ أصحابها يتصرَّفون بحماقة وسذاجة فتأتي على الأخضر واليابس؛ ولكن أليس عين العقل أن نستثمر عن وعي وبصيرة السِّلاح الذي لم ينجحوا في إسقاطه من أيدينا، سلاحَ الثِّقة في أنَّنا أصحاب حقٍّ والحقُّ غالبٌ لا محالة؟ وماذا يجب علينا أن نفعل حيث لم يبق لنا من سلاح سوى سلاح المشاعر الصَّادقة بعد أن تمَّ تأميم عقولنا؟ أليس من الحكمة أن نغذِّيَ هذه المشاعر النبيلة ونرشدها بدلاً من أن نُحيطها بحالة من الغموض، تهويناً من شأنها وتقليلاً من فَعَاليَّتها فنقضي بذلك على العقول والمشاعر معاً؟

ومن حقِّ أصحاب النَّيات الطيِّبة أن يتساءلوا قائلين: ألم يكن الفكر الإصلاحي بكلِّ تياراته قائماً على استراتيجيَّة التبيئة لمصطلحات غربيَّة النَّشأة، وعديمة الصِّلة بتراثنا الفكريّ؟ فلماذا إذاً هذا الخوف ممَّا اسميتموه "بتبييض" المفاهيم والمصطلحات، وهو لا يختلف في جوهره عن التبيئة؟

قد يبدو في الأمر شيءٌ من الوجاهة، ولكن علينا أن نتأمَّل في غاية كلٍّ منهما. فالتبيئة ـ وبغضِّ النَّظر عن الكيفيَّات التي تمَّت بها ـ جاءت أساساً في إطار البحث عن مخرج للتخلُّف الذي عانت منه الأمَّة في كلِّ المجالات؛ أمَّا الهدف من تداول المصطلحات التي تروِّج لها المخابرات المركزيَّة الغربيَّة ـ بعد نسبتها إلى "مفكِّرين في مجالات العلوم الإنسانيَّة" فهو تعميق الحروب الأهليَّة في كلِّ صورها وأشكالها، العسكريَّة والكلاميَّة والثَّقافيَّة، مع حرص دائم على تغيير الأدوار وتغيير الشَّخصيَّات في عمليَّة تمويه أضحت مفضوحة ومعلومة لدى الجميع.

تلك هي محصِّلة الفكر الذي يستهدي بالمرايا المحدَّبة، التَّأسيس للاستبداد السِّياسيِّ عقلاً، والتَّقعيد للاسترخاء ثقافة. فالمشاعر التي نريد أن ننمِّيها ليست تلك النَّاتجة عن شطحات المتصوِّفة أو نشوات المخمورين، وإنَّما المشاعر المتيقِّظة والمنمِّية لتلك الجذوة الباقية. فبقدر ما تكون تلك الجذوة عميقة ومتَّسعة تكون قوى المناعة عند الأمَّة في وضع أكثر صلابة وأكثر متانة.

ذلك هو الوجه الآخر للتفكير السَّليم والذي كثيراً ما يتمُّ استيعاده مرَّة باسم "الحياد العلمي" جهرة ومرَّةً باسم الخوف والطمع خُفيةً. وتلك مهمة أخرى من مهام المفكِّر الحرِّ الذي يرفض أن يسجن التَّفكير في منطق الرِّبح والخسارة المادِّيين.

بقلم / الدكتور محمد بن نصر

مرسلة بواسطة : مدونيتا6:06 م

الوعي المروري

مدونيتا

يكثر الحديث هذه الأيام عن حزام الأمان وأهميته، وأن رطبه دليل على وعي السائق وحرصه على الأمن والسلامة، وهذا صحيح ولا غبار عليه, لكن لأن حزام الأمان قد حظي بزخم إعلامي وتوعوي فقد تولد عند البعض ما يشبه التزامن بين الوعي المروري وبين حزام الأمان، فإذا ذكر حزام الأمان ذكر الوعي المروري، وإذا غاب الوعي المروري غاب ربط حزام الأمان, وفي الحقيقة، فإن الوعي المروري أشمل وأعم من أن يقتصر على ربط حزام الأمان، وأن ربط حزام الأمان إنما هو أحد مظاهر الوعي المروري التي ينبغي على كل سائق أن يتحلى بها.  

* ما المقصود بالوعي المروري؟   
إن كل سائق لديه قدر من الوعي المروري الذي يكثر الحديث عنه هذه الأيام نتيجة الحملة المرورية التوعوية المباركة, ولكن هذا الوعي يختلف من سائق إلى آخر ومن وقت لآخر أيضاً.
والمقصود بالوعي المروري بمفهومه الشامل هنا هو اليقظة الحسية والمعنوية والمعرفة والإلمام الواسع بكل ما يتعلق بالمرور من مركبة وطريق وإشارات وأنظمة وقوانين وغيرها مما ينعكس إيجاباً على الشخص وحسن قيادته ومراعاته للأنظمة المرورية المختلفة.
* لماذا نحتاج إلى الوعي المروري؟
إن الإحصائيات والمعلومات المروعة التي نسمع ونقرأ عنها والناتجة عن حوادث المرور (قتيلان و 8 جرحى كل 8 ساعات في المملكة العربية السعودية) لتعطي دلالة إلى حاجتنا الماسة وبصورة عاجلة إلى الوعي المروري، النظري منه والتطبيقي، لصون أنفسنا من الهلاك أو الوقوع في الخطر، وصون غيرنا من الأذى، وصون مركباتنا من التلف، وصون ما يحيط بنا من الفساد أو الدمار (الطريق، الإشارات، المحلات، المنشآت، وغيرها), إننا نحتاج وبدرجة كبيرة إلى الوعي المروري لتقليل تلك الخسائر البشرية الفادحة، والخسائر الاقتصادية الباهظة الناتجة عن حوادث المرور.
مظاهر الوعي المروري:
إن لهذا الوعي المروري الذي تدعو إليه الحملة ا لإعلامية المرورية، ويدعو إليه المخلصون والمهتمون بسلامة الأفراد والمجتمع مظاهر متعددة، متى ما تحلى السائق بها والتزم بمتطلباتها دل ذلك على استشعار كبير لمسؤولية قيادة السيارة، وحرص على سلامة النفس والغير.
1- فمن أهم مظاهر الوعي المروري،
 الوعي بحق الله سبحانه وتعالى وأنه هو الحافظ والمستحق للتوكل عليه وحده, وأن من حفظ الله في حدوده وأوامره ونواهيه حفظه الله من كل سوء ومكروه (احفظ الله يحفظك),
 إن الوعي بحق الله سبحانه وتعالى يؤصل في نفوسنا المسؤولية امامه عن هذه السيارات التي نقودها، وهل نستخدمها في الخير أم الشر، وهل جعلناها سبباً لأذية الخلق أم لمساعدتهم, إن قراءة الأذكار والأدعية الشرعية صباحاً ومساء، والتسمية عند ركوب السيارة، وقراءة دعاء الركوب ودعاء السفر لهو خير مثال على الوعي المروري كما هو خير وسيلة من وسائل السلامة, وهذا لا يعني بالطبع ترك الأخذ بالأسباب، وإنما هي دعوة إلى عدم الركون إلى الأسباب ونسيان الاعتماد على الله، لذا يمكن أن يقال هنا: اربط حزام الأمان وتوكل على الله.
ومن يتوكل على الله فهو حسبه (الطلاق 3)، وعن أنس رضي الله عنه قال : ( من قال يعني إذا خرج من بيته بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له : هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان) رواه أبو داود والترمذي، والنسائي وغيرهم وقال الترمذي : حديث حسن, وقانا الله واياكم شر الحوادث المرورية.
2- ومن مظاهر الوعي المروري، الوعي بالمركبات التي نقودها.
إن من أهم اصول قواعد السلامة التي ينبغي على كل سائق أن يكون على وعي وعلم بها المركبة أو السيارة التي يقودها, والوعي بالمركبة يجب ألا يقتصر على نوع السيارة أو موديلها أو بعض جوانب الاستخدام فيها، إنما الوعي أيضا بأهم الجوانب الفنية والإلكترونية التي تساعد على الاستفادة القصوى منها وقيادتها بشكل آمن, وإن أفضل طريق لزيادة الوعي بالمركبة هو قراءة الدليل الإرشادي الذي يأتي مع السيارة, إن هذا الدليل مهم جداً للاستخدام الأمثل للسيارة ولعمل الصيانة المطلوبة لها، ولكن عادة الكثير للأسف إهمال قراءة الكتيبات والأدلة الإرشادية التي تأتي مع الأجهزة والآلات التي نقوم بشرائها وكأنها كتبت لغيرنا.
3 -ومن مظاهر الوعي المروري، الوعي بالطرق التي نسير فيها أو نسلكها.
فمن نعمة الله سبحانه وتعالى أننا نسير في الغالب على طرق معبدة ومزودة بوسائل السلامة.
والوعي بالطريق يقتضي من السائق أن يكون على علم وبصيرة بجميع العلامات والخطوط الأرضية ومدلولاتها التي تساعد السائق على القيادة الآمنة, كذلك الوعي بالطريق الجديد في حال السفر أو التنقل، مثل أن يكون طريقاً متعرجاً، أو منزلقاً، أو فيه منحدرات أو حفر أو جمال سائبة أو غيرها من المخاطر التي ينبغي على السائق أن يحذرها.
4- ومن مظاهر الوعي المروري، الوعي بالأنظمة التي ينبغي اتباعها.
وهذا الوعي بالأنظمة يحصل بالإيمان الكامل بأن الأنظمة المرورية إنما وجدت لحمايتنا وليس لمضايقتنا, وأنه كلما كان التزامنا بهذه الأنظمة أكبر كانت سلامتنا وسلامة الآخرين أكبر.
إن الالتزام بالسرعة المقررة داخل المدن وعلى الخطوط السريعة لدليل كبير على مدى وعي السائق والتزامه بالأنظمة المرورية, ولا نتعجب إذا علمنا أن أكثر من 50% من الحوادث تحصل بسبب السرعة غير النظامية, ومن هذه القوانين أيضاً والتي يتردد الحديث حولها كثيراً هذه الأيام، ربط حزام الأمان, إن المطالبة بربط حزام الأمان ما جاء إلا بعد أن أجريت الدراسات والبحوث التي تؤكد أن نسبة كبيرة من الإصابات الخطرة سببها عدم ربط حزام الأمان, ففي دراسة أجريت في الرياض ثبت أن إصابة الرأس تمثل المرتبة الأولى من ضحايا حوادث المرور، تلي تلك إصابة الصدر، وتعد هاتان الإصابتان من أخطر الإصابات الجسدية، وغالباً ما ينجم عنهما الإعاقة أو الوفاة , ومن خلال هذه الدراسة وغيرها يبرز دور حزام الأمان (بمشئة الله) في الحد من خطورة إصابتي الرأس والصدر لأنه يقوم بتثبيت السائق أو الراكب على المقعد ويحميه من الارتطام بالمقود وأجزاء السيارة الداخلية.
وقد يعد بعض السائقين ربط الحزام عملية ثقيلة خصوصاً إذا لم يعتد عليها, إلا أن السائق الواعي هو الذي يتعاهد هذه العادة كلما ركب سيارته حتى تتحول إلى سلوك لا يفارقه مثل إدارة المفتاح وتحريك ملقم السرعة.
5- ومن مظاهر الوعي المروري، الوعي بأهمية ومدلولات الإشارات واللوحات الإرشادية التي تنظم السير.
يصادف السائق أثناء قيادته كثيراً من الإشارات واللوحات الإرشادية التي تنظم السير، أو التحذيرية التي تنبه السائق على حالة الطريق، واتباع ما تدل عليه هذه الإشارات دليل على وعي السائق , ومن هذه الإشارات إشارة إعطاء الأولوية للغير، وممنوع التجاوز، أو إشارة الدوار أوالمطب الاصطناعي، أو الطريق زلق، أو أمامك جمال، وغيرها, ثم إن هناك إشارات أو لوحات تنبيهية مهمة في المدن وعلى الطرق، مثل إشارة عبور المشاة، أو وجود أطفال، أو القرب من المستشفى، أو وجود مدرسة، وإنك لتعجب أحياناً من مرور السائق بالعديد من اللوحات التحذيرية التي تنبه إلى وجود مدرسة أو مرور أطفال، ومع ذلك لا يغير السائق من سرعته أو سلوكه شيئاً.
6- الوعي بوسائل السلامة التي ينبغي التأكد من وجودها أو توفرها في السيارة أو الضروريات التي قد تبدو الحاجة إليها.
إن كثيراً من السائقين وللاسف يغفل التأكد من توفر بعض الأشياء الضرورية في سيارته والتي قد لا يعرف قيمتها إلا إذا احتاج إليها, ومن هذه الأشياء التي ينبغي على كل سائق واع التأكد من وجودها في السيارة: حقيبة العدة، حقيبة الإسعافات الأولية، مثلث الأمان أو السلامة، طفاية الحريق، وغيرها.
وبما أن السائق كثير التنقل داخل البلد وخارجه، مما قد يعرضه لبعض المواقف التي تتطلب المساعدة العاجلة لبعض المحتاجين، فإن على السائق المثالي أن يكون على وعي وبصيرة ببعض الضروريات التي قد تبدو الحاجة إليها أثناء السفر أو القيادة مما قد يكون سببا في إنقاذ مصاب أو التخفيف من معاناة شخص مما يؤجر عليه إن شاء الله، وخير الناس أنفعهم للناس, فمثلاً ينبغي على كل سائق أن يكون لديه حد أدنى من الوعي ببعض طرق الإسعافات الأولية للمصابين، مثل كيفية حمل المصاب، وإيقاف النزيف، أو تخفيف الألم، أو إعطاء التنفس الاصطناعي أو الإنعاش القلبي الرئوي للمحتاجين.
كذلك كيفية التصرف في حال وقوع حادث لا قدر الله سواء للسائق أو للغير، مثل إعطاء التفاصيل كاملة عن موقع الحادث، وحالة المصابين، ومهاتفة عمليات الدوريات والنجدة 999، أو الهلال الأحمر 998، أو أمن الطرق 996.
من أين نحصل على هذا الوعي المروري؟:
إن هذا الوعي الذي ندعو إليه عزيزي القارئ لا يأتي في يوم وليلة، فهو مجموعة من الخبرات المتراكمة، بعضها يأتي من خلال التجربة والخبرة الحية بالممارسة والاحتكاك، وبعضها يأتي من خلال التعلم والتعليم, وإن أهم مصدر لهذا الوعي هو حرص السائق على تثقيف نفسه بنفسه وذلك من خلال القراءة وحضور المعارض التي تقام لهذا الغرض، وحضور الندوات والمحاضرات التي تتحدث عن بعض الجوانب المرورية، وسؤال أهل الاختصاص عما يشكل، وأخذ الدورات المتخصصة مثل دورات الإسعافات الأولية.
إن أهمية السيارة كوسيلة مواصلات لا تخفى على أحد، فبدونها لا يمكننا الوصول إلى مقاصدنا وأعمالنا إلا بشق الأنفس، فهي بحق خير معين على توفير الوقت والجهد والمال وذلك بالطبع إذا أحسن استخدامها, ونقول ونؤكد إذا أحسن استخدامها ، لأن هذه الوسيلة قد تصبح نقمة لا قدر الله وقد تكون سبباً في ضياع الوقت، وتشتيت الجهد، وهدر المال وذلك إذا أسيء استخدامها.
لذا كان لزاماً علينا جميعاً أن نكون على وعي كبير بهذه المركبة وما يرتبط بها من أنظمة وقوانين لنحمي أنفسنا ونحمي غيرنا، ونحفظ أوقاتنا وأوقات غيرنا، ونصون أموالنا وأموال غيرنا، ونوفر جهودنا وجهود غيرنا, والله الموفق،،،
بقلم : د/ صالح بن عبدالعزيز النصار
كلية التربية - جامعة الملك سعود الرياض
المصدر الجزيرة
بحث عن الوعي المروري

مرسلة بواسطة : مدونيتا6:02 م

الهندسة في الحضارة الإسلامية

مدونيتا

يعرف علم الهندسة عند العلماء المسلمين بأنه العلم بقوانين تُعرف منه الأصول العارضة للكم من حيث هو كم. وجاء تعريفه في (مدينة العلوم) بأنه: علم يعرف منه أحوال المقادير ولواحقها، وأوضاع بعضها عند بعض، ونسبتها وخواص أشكالها، والطريق إلى عمل ما سبيله أن يعمل بها، واستخراج ما يحتاج إلى استخراجه بالبراهين اليقينية. 
وفي حفاوة بالغة عن علم الهندسة تحدث  ابن خلدون في مقدمته بما يعكس نظرة إسلامية أصيلة لهذا الفرع من العلوم، فقال في تعريفه: هذا العلم هو النظر في المقادير، إما المتصلة: كالخط والسطح والجسم، وإما المنفصلة: كالأعداد وفيما يعرض لها من العوارض الذاتية، مثل: إن كل خطين متوازيين لا يلتقيان في وجه ولو خرجا إلى غير نهاية،
 ومثل: أن كل مثلث فزواياه مثل قائمتين، ومثل: أن كل خطين متقاطعين فالزاويتان المتقابلتان منهما متساويتان،
 ومثل: أن الأربعة المقادير المتناسبة ضرب الأول منها في الثالث كضرب الثاني في الرابع وأمثال ذلك.
والهندسة معرب (أندازه) - التسمية الأجنبية لها - ووجه التسمية ظاهر، وموضوعه: المقادير المطلقة، أعني - كما يقول القونجي -: الخط والسطح والجسم التعليمي، ولواحق هذه من الزاوية والنقطة والشكل.

أهمية علم الهندسة
تبرز أهمية علم الهندسة أو منفعته - كما يذكر القونجي - في الاطلاع على الأحوال المذكورة من الموجودات، وأن يكسب الذهن حدة ونفاذا، ويُروض بها الفكر رياضة قوية؛ لما اتفقوا على أن أقوى العلوم برهانا هي العلوم الهندسية.
ومن جملة منافعها: العلاج عن الجهل المركب؛ لما أنها علوم يقينية لا مدخل فيها للوهم؛ فيعتاد الذهن على تسخير الوهم، والجهل المركب ليس إلا من غلبة الوهم على العقل"
وفي ذلك أيضا يقول ابن خلدون: واعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله، واستقامة في فكره؛ لأن براهينها كلها بَيِّنَة الانتظام، جليّة الترتيب، لا يكاد الغلط يدخل أقيستها؛ لترتيبها وانتظامها؛ فيبعد الفكر بممارستها على الخطأ، وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهْيَع (أي: الطريق أو النسق).
وقد زعموا - كما يذكر ابن خلدون - أنه كان مكتوبا على باب أفلاطون: "من لم يكن مهندسا فلا يدخل منزلنا". قال: وكان شيوخنا - رحمهم الله - يقولون: "ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينفيه من الأوصار والأردان"؛ وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه.
فلا عجب - إذا - في حق الأمة التي ينظر علماؤها إلى الهندسة كنور للعقل، ومُطهِّر للفكر من أدران العشوائية والفوضى.. أن تبرع في شتى التطبيقات الهندسية المتنوعة، على نحو ما سنراه في هذا البحث وغيره.

علم الهندسة قبل الإسلامكما أن لكل ثمرة بذرة فإن لكل علم وصنعة جذور يرتد إليها ويقوم عليها، ولقد كان لعلم الهندسة في الإسلام بدايات تمثلت في حضارات شتى كانت قائمة بذاتها قبل مجئ الإسلام، وكان لكل منها طابعها الخاص والذي يقف فيه علم الهندسة عند حدود معينة ينتهي بخفوت هذه الحضارة ثم يشرق ثانية ببزوغ نجم حضارة جديدة.
ولقد كان من أهم ما يمثل الوضع العالمي لعلم الهندسة قبل الإسلام حضارة المصريين القدماء، تلك التي كان لعلم الهندسة في بنائها أثر كبير جدًا، بل كان هو السر الأعظم في فضل بقاء بعض آثار هذه الحضارة إلى الآن متمثلة في أهرامات الجيزة وغيرها.

فقد كان لقدماء المصريين حضارة راقية جدًا، تتضح من قياساتهم العمرانية الدقيقة، كالتي في هرم الجيزة الأكبر الذي بني سنة 2900 ق.م، فكانت قاعدته مربعًا كاملاً، تتجه أضلاعه جهة الشرق، وكل أوجه الهرم الجانبية لها نفس الميل (51.50) مما يدل على دقة متناهية في القياس، وكل حجر من أحجاره يزن 2 طن، وتتطابق هذه الصخور على بعضها تمام التطابق" .
وإن حاجتهم لتحديد مزارعهم بعد فيضان نهر النيل كل عام ليظهر مكانة علم الهندسة في حياتهم، وفضلا عن هذا فإن المعلمات المتوفرة أكدت أن لدى قدماء المصريين معرفة تامة بكيفية حساب حجم الهرم والهرم الناقص، يوضح ذلك محمد عبد الرحمن مرحبًا في كتابه (الموجز في تاريخ العلوم عند العرب) بقوله: ولا يقل المصريون عن السومريين براعة في العلم الرياضي، يدل على ذلك بناء الأهرامات الذي كشف عن معرفة واسعة بالهندسة، كما نجح المصريون في إقامة العمود باستعمال المثلث القائم الزاوية، وكانت حيلتهم في ذلك استخدام حبل به عقدتان تقسمانه إلى 3 قطع، بنسبة 3: 4: 5، وقد توصلوا إلى هذه الفكرة بالخبرة العملية المتكررة، كما استفادوا من هذه الفكرة في تعيين الجهات الأصلية الأربعة.

ومثل المصريين القدماء فقد كان للبابليين باع طيب أيضا فيما يخص علم الهندسة، "فلقد استطاع علماء بابل حساب سطوح الأشكال الهندسية وحجوم بعض الأشكال المجسمة مثل: الهرم والهرم المقطوع على قاعدة مربعة، كما عرفوا قيمة النسبة التقريبية واعتبروها.. حتى لقد صار من المسلم في يومنا هذا أن نظرية فيثاغورث المشهورة - مساحة المربع المنشأ على وتر المثلث قائم الزاوية تساوي مساحة المربعين المنشأين على الضلعين القائمين - هي في الحقيقة من ابتكارات علماء بابل".
هذا وبنظرة عامة على إسهامات الحضارات القديمة في علم الهندسة فإنها لم تكن لتتعدى عملية البناء، تلك التي تمثلت في إقامة الجسور وتشييد السدود، ولم يتطرق هذا العلم في هذه الحضارات إلى التقنيات الدقيقة مثل فنون الحيل والميكانيكا الهندسية وغيرها، وهو الأمر الذي يمكن القول معه بأن علم الهندسة قديما لم يبعد أن يكون فنًا معماريًا (غير مكتمل النضج).

المسلمون وعلم الهندسةكرم الله الإنسان بصفته عاقلا، وجاء الإسلام ورفع من شأن العقل وأعلى من مكانته، وحث على تعلم العلم، وإجالة الخاطر والنظر والفكر وذلك في أكثر من موضع من المصدر الأول من التشريع، والذي كان منه على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى: [أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ] ، وقوله تعالى: [إن في خلق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] وغيرها الكثير من الآيات التي تنتهي بقوله تعالى: [لقوم يتفكرون] - [لعلكم تعقلون].
ومن هنا وإذا كان علم الهندسة من العلوم الرياضية العقلية التي تستدعي الفكر وإعمال العقل، فإن الإسلام يكون أول ما يدعو إليه ويحث عليه، خاصة وأن استعمال مثل ذلك مما يؤدي إلى الإقرار بالوحدانية والاعتراف بالإبداع الكوني الرباني المعجز.
وقد تبلور علم الهندسة عند المسلمين وآتى ثماره عليهم وعلى غيرهم من الأمم والحضارات من خلال ما يلي...

علم الهندسة والاستفادة من الحضارات السابقةمن البديهيات المسلم بها أن الجوار من قنوات انتقال الحضارات، وأن الحضارة بساط نسجته وتنسجه أيدي أمم كثيرة، فالحضارة متواصلة العطاء، وقيمة كل أمة في ميزانها يساوي ما قدمته مطروحًا منه ما أخذته من الحضارات التي سبقتها، وبهذا فلا ينكر عاقل أن الحضارة العربية الإسلامية أخذت من حضارات سبقتها، ولكنه وإتماما لذلك - على نحو ما سنرى - فإنها واصلت العطاء، ووشّت بساط الحضارة الإنسانية بكل ما هو جميل وراق.
إن ما قام به العرب المسلمون لهو عمل إنقاذي له مغزاه الكبير في تاريخ العالم، ولئن أشعل العرب سراجهم من زيت حضارات سبقت، فإنهم ما لبثوا أن أصبحوا شعلة وهّاجة بذاتها، استضاء بنورها أهل العصر الوسيط، وإن ما يُدْعي (المعجزة اليونانية) تنفيها الحقائق العلمية التاريخية وتنقضها، يقول السِّير هنري مين: "وإذا استثنينا قوى الطبيعة العمياء لم نجد شيئا يتحرك في هذا العالم إلا وهو يوناني في أصله" وتبنى فيليب حتّى هذا الادعاء، فجعل دور العرب المسلمين في مقام الوسيط ـ كساعي البريد ـ في أن نقلوا إلى أوربا خلال العصر الوسيط بضاعتهم اليونانية.
والحقيقة التاريخية تنفي وجود (المعجزة اليونانية)؛ لأن الحضارة اليونانية امتداد لحضارة وادي الرافدين ووادي النيل وبلاد الشام واقتباس منها، فاليونانيون اقتبسوا من الحضارات السابقة في شرقي المتوسط ومصر الكثير من مختلف العلوم، وعاد إلينا على أنه علم وطب يونانيان، ونُسى الأصل أو تنوسي. يقول وُلْ ديورانت: فطاليس (536 ق.م) زار مصر عدة زيارات ونقل من العلوم الهندسية المتقدمة من مدارس الإسكندرية، وفيثاغورس (497 ق.م) زار مصر عدة مرات، ثم مكث ببابل مدة طويلة، وقد بات من المعروف أن نظرية: مربع الوتر في المثلث القائم يساوي مجموع مربع الضلعين الآخرين، أخذها فيثاغورس من بابل، ونسبها إليه دون عزو لمصدرها، أو نسبت إليه، إن لوحة (تل حرمل) الحجرية التي عُثِرَ عليها في ضواحي بغداد تدل يقينًا على أن البابليين سبقوا اليونانيين في حساب المثلثات القائمة والمتشابهة بمئات السنين.

ومن هنا فمن السذاجة والخطأ الادعاء بأننا لم نأخذ ممن سبقنا؛ وذلك لأننا لم نبدأ من الصفر، ولو بدأت كل حضارة في مضمار العلوم من الصفر لما ازدهرت حضارة، ولما وصلت الحضارة اليوم إلى ما وصلت إليه من هذا التقدم العلمي المذهل، وعليه فإن المسلمين أخذوا أصول الهندسة عن اليونان، وقد ترجموا كتاب إقليدس في الهندسة وسموه الأصول، وذلك في عهد الخليفة المنصور .

إضافات المسلمين لعلم الهندسة وعلم الحيل النافعة
كما أنه لا ضير في أن نقر بأن المسلمين اعتمدوا على من سبقهم في قيام نهضتهم وحضارتهم في علم الهندسة، فإنا لا نستطيع أن نقر وجهة النظر التي تقول: "إن اليونان لم يتركوا في الهندسة القديمة زيادة لمستزيد، ولم يستطع أحد بعد إقليدس الذي دون علم الهندسة (330 - 320 ق.م) أن يزيد على هذا العلم شيئًا أساسيًا، أعظم أفضال العرب على الهندسة أنهم اهتموا بها حينما أهملتها الشعوب ثم حفظوها من الضياع، وناولوها للأوربيين في زمن باكر، فلقد أخذ الأوروبيون الهندسة اليونانية عن العرب لا عن اليونان، ونقلوها إلى اللغة اليونانية".
فهذا الرأي لا يستقيم لا منطقيًا ولا علميًا، يشهد بذلك علماء الغرب أنفسهم على نحو ما سنورده في هذا البحث وفي هذا الموضوع بالذات، ولا أدري كيف نعت صاحب هذا الرأي الهندسة بـ(القديمة)؟! ألأجل أن يكون ذلك علم خاص فقط باليونان، ومن ثم فلا يستطيع أحد أن يجاريه أو يزيد عليه؛ مما يتسنى له بعد ذلك أن يطلق هذا الحكم؟ وإذا كان الأمر كذلك فهذه تعد مثلبة وليست منقبة لليونان أصحاب الهندسة (القديمة)، ومفخرة لأصحاب الهندسة الحديثة.
فمن المسلم به تاريخيًا وعلميًا أن المسلمين أضافوا إضافات جوهرية كثيرة، وأدخلوا أمورًا جديدة على هندسة من سبقهم، وكان من ذلك: تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية وكذلك الدائرة، وقد ألف الكندي الرسائل المختلفة في تقسيم المثلث والمربع واستخرج سمت القبلة، وكان يرجع إلى مؤلفاته المعماريون عند القيام بحفر الأقنية والجداول بين دجلة والفرات، وأدخل المسلمون أيضا المماس والقواطع، واستخدموا فن الزخرفة الذي يعتمد على قواعد هندسية في رسم المغلقات، وترتيب الخطوط، وأوراق النبات، وجمع المسلمون بين الهندسة والجبر، ولذلك يُعتبرون واضعي الهندسة التحليلية.

ولقد ذكر صاحب الرأي السابق أن اهتمام العرب (المسلمين) بالناحية العملية من الهندسة كان أكثر من اهتمامهم بالناحية النظرية، تشهد بذلك المباني والقصور التي نهضت في المشرق والمغرب.. ". ولا تعليق!!
وإحقاقا للحق فقد ظل المسلمون يبدعون ويضيفون الكثير والكثير مستلهمين ذلك من أمور دينهم ودنياهم، حتى ظهر علم الهندسة وتبلور على أيديهم، وبدت معالمه الكلية واضحة جلية، وازدهرت تقنيات الهندسة الميكانيكية في العالم الإسلامي منذ القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، واستمر عطاء المسلمين فيها حتى القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).
وكانت هذه التقنيات تعرف عند المسلمين باسم "الحيل النافعة"، وهي آلات وتجهيزات يعتمد البحث فيها على حركة الهواء (الإيروديناميكا)، أو حركة السوائل واتزانها (الهيدروديناميكا و(الهيدروستاتيكا).
وإذا كان أعلام  الحضارة الإسلامية قد اطلعوا على بعض ما خلفه قدماء المصريين والفرس والهنود والصينيون والإغريق في "علم الحيل" أو الهندسة الميكانيكية - بلغة العلم المعاصرة - إلا أن ما ورثوه عن الحضارات السابقة كان محدودًا من الناحيتين النظرية والتطبيقية على حد سواء، فطوروه وأضافوا له القواعد العلمية، وصنفوا فيه كتبًا رائدة، لا يزال الكثير منها مجهولاً أو مفقودًا.

ويمثل علم "الحيل النافعة" الجانب التقني المتقدم في علوم الحضارة الإسلامية، حيث كان المهندسون والتقنيون يقومون بتطبيق معارفهم النظرية للإفادة منها في كل ما يخدم الدين، ويحقق مظاهر المدنية والإعمار.
وقد جعلوا الغاية من هذا العلم هي: "الحصول على الفعل الكبير من الجهد اليسير"، ويقصد به استعمال الحيلة مكان القوة، والعقل مكان العضلات، والآلة بدل البدن.

وهي نزعة حضارية تتسم بها الأمم التي قطعت أشواطا في مجالات العلم والحضارة، كما أنها المحور الذي تدور حوله فلسفة أي اختراع تفرزه عقول العلماء يوميا؛ سعيا وراء تحسين حياة الإنسان، ورفع المشقة عنه قدر الإمكان.
ولعل من الأبعاد الأخلاقية التي قادت العقل الإسلامي في اتجاه الإبداع والتفرد في مجال الحيل النافعة أن الشعوب السابقة على المسلمين كانت تعتمد على العبيد، وتلجأ إلى نظام السُّخرة في إنجاز الأعمال التي تحتاج إلى مجهود جسماني كبير، دون النظر إلى طاقة تحمّل أولئك العبيد..
فلما جاء الإسلام نهى عن السخرة وكرّم العبيد، فمنع إرهاقهم بما لا يطيقون من العمل، فضلا عن تحريم إرهاق الحيوانات - كما بينا ذلك في عنوانه - وتحميلها فوق طاقاتها.. إذا عرفنا ذلك وأضفنا إليه ضرورات التعمير والبناء - بكل أشكالها - التي صاحبت اتساع الحضارة الإسلامية.. فسوف ندرك جانبا هاما من دوافع هذا السبق الفريد في مجال التكنولوجيا عند المسلمين، أو قل: "الحيل النافعة"!!

فبعد أن كانت غاية السابقين من علم الحيل لا تتعدى استعماله في التأثير الديني والروحي على أتباع مذاهبهم، مثل استعمال التماثيل المتحركة أو الناطقة بواسطة الكهان، واستعمال الأرغن الموسيقى وغيره من الآلات المصوتة في المعابد، فقد جاء الإسلام وجعل الصلة بين العبد وربه بغير حاجة إلى وسائل وسيطة أو خداع بصري، وأصبح التأثير على الإنسان باستعمال آلات متحركة (ميكانيكية) هو الهدف الجديد لتقنية "الحيل النافعة" .
ولعل من أهم إنجازات الهندسة الميكانيكية (أو علم الحيل النافعة) ما ظهر واضحًا في الإمكانيات التي استخدمها المسلمون في رفع الأحجار ومواد البناء لإتمام الأبنية العالية من مساجد ومآذن وقناطر وسدود.. فيكفيك أن ترى الارتفاعات الشاهقة لمعالم العمارة الإسلامية في عصور غابت عنها الروافع الآلية المعروفة في زماننا.. لتعلم براعة المهندسين المسلمين في التوصل لآلات رفع ساعدت - ولا شك - على إنجاز تلك الأعمال الخالدة.. وإلا فكيف يمكن أن ترفع مئذنة فوق سطح مسجد سبعين مترا.. أي ما يزيد على عشرين طابقا..؟!
ولا ننسى في هذا السياق "سور مجرى العيون" في القاهرة أيام صلاح الدين الأيوبي، والذي كان ينقل الماء من فم الخليج على النيل إلى القلعة فوق جبل المقطم، وكانت هناك ساقية تدار بالحيوانات ترفع المياه لعشرة أمتار ليتدفق في القناة فوق السور وتسير بطريقة الأواني المستطرقة حتى تصل إلى القلعة!

ومن هنا تتجلى عظمة المسلمين في هذا الفن، ولا يستطيع أن ينكر دورهم في ذلك إلا جاحد، يقول محمد كرد علي: وللعرب (المسلمين) في باب الهندسة الإبداع الذي أقرهم عليه كل عارف، ولم ينازعهم فيه منازع، ولم يخترع العرب أبنية خاصة بهم، بل تجلي في هندستهم حبهم للزخرف واللطف، واخترعوا القوس المقنطر ورسم البيكارين، وجعل تفننهم في هندسة القباب والسقوف والمعرشات من الأشجار والأزهار لجوامعهم وقصورهم بهجة لا يبلى على الدهر جديدها، ودلت كل الدلالة على إيغالهم في حب النقوش والزينة، كأن أبنيتهم ومصانعهم ثياب من ثياب الشرق تفنن حائكها في رقشها ونقشها، كما قال أحد العارفين من الإفرنج. 

بقلم / د. راغب السرجاني
بحث عن الهندسة في الحضارة الإسلامية

مرسلة بواسطة : مدونيتا5:59 م

تغريب اللغة العربية

مدونيتا

لقد ظلت اللغة العربية لغة العلم العالمي لأكثر من عشرة قرون.
 إليها ترجمت المواريث الثقافية والحضارية السابقة على ظهور الإسلام..  
وبها تمت المراجعة والتصحيح لهذه المواريث.
 وبها كتبت الإبداعات العلمية التي أضافت إلى هذه المواريث وطورتها.
ومنها أخذت أوروبا ـ إبان نهضتها الحديثة ـ التراث اليوناني.
والمنهج التجريبي، والإضافات العربية الإسلامية في العلوم الطبيعية وتطبيقاتها. 
وعندما استأنفت أمتنا يقظتها ونهضتها الحديثة في القرن التاسع عشر ـ عادت العربية لتكون اللغة التي وسعت علوم النهضة الأوروبية، فكان التدريس بها لجميع تلك العلوم..لكن الكارثة التي تعيشها لغة القرآن الكريم اليوم، والتي جعلت التدريس للعلوم الطبيعية وتقنياتها وأحيانًا العلوم الإنسانية والاجتماعية ـ يتم باللغات الأجنبية.. والتي جعلت العربية غريبة في بلادها.. هذه الكارثة قد بدأت مخططًا استعماريًا مع بدأ الغزوة الاستعمارية الحديثة لوطن العروبة وعالم الإسلام.. تلك الغزوة التي لم تقنع باحتلال الأرض ونهب الثروة، وإنما أرادت احتلال العقل أيضًا، ليستلب الاحتلال للأرض والنهب للثروات!..ويكفي للبرهنة على هذه الحقيقة ـ حقيقة دور تغريب اللغة في الغزو والاستعمار ـ أن نقرأ شهادات واعترافات ومخططات القناصل الفرنسيين في القرن التاسع عشر، والتي تحدثوا فيها عن مدارس الإرساليات التبشيرية التي أقامتها فرنسا العلمانية! في المشرق العربي.. هذه الشهادات التي اعتبرت أن مدارس البعثة اليسوعية الفرنسية ـ في لبنان ـ إنما تصنع "فتحًا بواسطة اللغة.. وسيطرة على الشعب وتخلق جيشًا مارونيًا يتفانى في خدمة فرنسا!".. وبعبارة "بول موفلان" ـ أحد كبار اليسوعيين ـ : "فإن تعليم الناس لغتنا ( الفرنسية) لا يعني مجرد أن تألف ألسنتهم وآذانهم الصوت الفرنسي، بل إنه يعني فتح عقولهم وقلوبهم على الأفكار وعلى العواطف الفرنسية، حتى نجعل منهم فرنسيين من زاوية ما.. إن هذه السياسة تؤدي إلى فتح بلد بواسطة اللغة"!..وفي مذكرة كتبها القنصل "دي لتينو" ـ في 22 ديسمبر سنة 1847م ـ كانت الصراحة العارية، التي جعلت هذا القنصل الفرنسي يقول: إن الهدف من "فرنسة التعليم" هو "جعل البربرية العربية ؟!! تتنحى لا إراديًا أمام الحضارة المسيحية الفرنسية"!..هكذا بدأ تغريب اللغة والثقافة والتعليم في بلادنا.. وهكذا خرّجت هذه المدارس أول من نادى بإحلال العامية محل الفصحى ـ أمين شميل (1828 ـ 1897م) ـ وأول من نادى بإحلال الدارونية محل نظرية وعقيدة الخلق الإلهي للكون ـ شبلي شميل (1853 ـ 1917م) ـ وأول من نادى بإحلال العلمانية محل الشريعة الإسلامية ـ فرح انطون (1874 ـ 1922م) ـ .. ومن خريجي هذه المدارس تبلور تيار التغريب والعلمنة الذي يعارض خيار الإسلام في التقدم والنهوض..لقد أحيت إسرائيل لغة ميتة، لتصبح لغة علمية حية تدرس بها جميع العلوم وكذلك تصنع الصين واليابان مع أصعب لغات الدنيا.. لكننا للأسف عدنا القهقرى فأصبحنا في كثير من جامعاتنا ندرس العلوم الطبيعية بغير لغة القرآن الكريم! مع أن تجارب تدريسها بالعربية أعطت نتائج كبيرة كما هو معلوم ؛ فإلى متى هذا الهوان؟!

بقلم / د. محمد عمارة

مرسلة بواسطة : مدونيتا5:49 م

التسامح وأثر إنتشاره في المجتمع

مدونيتا

العالم بمختلف قاراته أصبح فضاء مكشوفا بما تقدمه وسائل الاتصال الحديثة من لحظة لأخرى، بفضل التقدم العلمي وسعته، وانفتاح المجال المعرفي ، في كل بلدان العالم، وإشاعة ما كان مكتوما عند بعضها، من خبرات وثقافات وأنماط عيش متنوعة، فولّد هذا التقارب جدلا جديدا، بين مختلف المجموعات والشعوب، وكل مجموعة أو شعب بما لديها فرحة ومعتزة، ولتلافي الوقوع في الإفراط أو التفريط، والارتماء في أحضان التطرف والتعنت، اهتدت كل المعتقدات إلى عقد ميثاق يكون وسطا بين الشدة والتساهل وبين الإفراط والتفريط.    

 فأعلنت كل الأديان عن تمسكها بفضيلة التسامح، حتى يقع إرساء مجتمع عالمي مدني يسوده الحب والوئام، والتسامح يتضمن عديد الدلالات منها القبول والموافقة، والتساهل واليسر، وكذلك الجود، والكرم، والسخاء والعفو. والسماحة أكمل وصف لاطمئنان النفس وأعون على قبول الهدي والإرشاد ولها أثر في سرعة انتشار الشريعة وطول دوامها، إذ كشف لنا التاريخ أن سرعة امتثال الأمم للشرائع والدوام على اتباعها كان على مقدار اقتراب الأديان من السماحة، وقد حافظ الإسلام على استدامة وصف السماحة لأحكامه فقدّر لها أنها إن عرض لها من العوارض الزمنية أو الحالية ما يصيّرها مشتملة على شدة، انفتح لها باب الرخصة المشروع بقوله تعالى "فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه" "البقرة 173"، وحسب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم "أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".
على هذا الأساس أقدم الإنسان تدريجيا على التخلص من التعصب وهو نقيض التسامح، نظرا لما يتركه التعصب من آلام وأحزان، ولما يرسيه التسامح من توادد بين الناس وتفاعل بين الأفكار والمعتقدات، وإثراء للإنسانية وسعادة للفرد وللمجموعة؛ ومن الخطإ فهم التسامح فهما مضادا لحقيقته، إنه ضد الجمود وضد الجحود وضد التشدد وضد التسيب، وفي نفس الوقت يعني الاعتدال والتوازن .

وبما أن الإنسان قد عرض نفسه تلقائيا لحمل الأمانة، أمانة التكاليف الضخمة التي أشفقت منها المخلوقات العظيمة من السماوات بما فيها من شمس وقمر وكواكب ومن الأرض بما تحمل من جبال ووهاد وأنهار وأشجار، وهي ترمز إلى القوى الروحية والقوى المادية، والجبال ترمز إلى الاستقرار والثبوت، وصلابة القوى الطبيعية كلها هذه جميعها، رفضت مذعورة مشفقة، وأحجم الله عن إكراهها فاحترم رفضها، ولكن الإنسان كان ظلوما جهولا لأنه أقدم على مغامرة، وبالغ في تقدير قواه، وبحمله هذه الأمانة أكد حريته وإرادته فيما يفعل وفيما يذر، ومن ثم فهو يتحمل مسؤولية اختياره حتى يكون جزاؤه على قدر عمله "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" "الزلزلة 8- 9". 


إن الأمانة في الإسلام واسعة الدلالة تشمل جوانب حياتنا كلها وتلازمنا في علاقتنا بأنفسنا، وعلاقتنا بخالقنا، وعلاقتنا بأسرتنا، وبالمجتمع الذي نعيش فيه، ومناطها جميعا شعور المرء بتبعته في كل أمر يوكل إليه، وإدراكه بأنه مسؤول عنه أمام ربه، فكل ما وهبنا الله من نعم أمانة بأدينا، فلا ينبغي أن نفرّط فيها، ولو فقه كل فرد في المجتمع دوره فيه وفقه ما يجب أن يقوم به والتزم بذلك، ونفذه لسعدت الأمة وسعد أبناؤها جميعا واستحقوا الأمن الذي وعد الله به المؤمنين المخلصين.


الإسلام دين الله، "إن الدين عند الله الإسلام" "آل عمران 19" ولا دين عند الله غيره "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" "آل عمران 84"؛ فكان في طليعة الأديان أعلن أنه "لا إكراه في الدين" "البقرة 255" وتوجه الله إلى رسوله عليه الصلاة والسلام قائلا محذّره من إكراه الناس على اعتناق الإسلام دينا "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" "يونس 99". والمسيحية اختزلت الإنجيل في جملة معبرة تنسب للسيد المسيح "لم آت لتدمير القانون وإنما لإتمامه" وأقرّ ميثاق الأمم المتحدة في ديباجته ما يلي "نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن نأخذ أنفسنا بالتسامح وأن نعيش معا في سلام وحسن جوار".


لقد آلت بلادنا على نفسها عبر التاريخ قديمه وحديثه، أن تواجه التطرف مهما كان مصدره، حتى بلغت اليوم مرحلة النضج والوعي، بتشريعاتها ما ساعد على استئصال داء التعصب من جذوره وإرساء مبدأ الاعتدال والتوازن وترسيخ قيم التسامح لإيمانها أنه لا وجود لحياة روحانية حقيقية، بدون حرية دينية، واتباعها بسياسة رشيدة حكيمة؛ فقد قال الله تعالى "قد تبين الرشد من الغي" "البقرة 256" وقال جل وعلا لرسوله صلى الله عليه وسلم "وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون" "النحل 64".


وأمر الله رسوله أن يدعو أهل الكتاب إلى الحوار الصريح "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" "آل عمران 64" ونهى عن الغلو "قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل" "المائدة 77". 


لقد هدانا خالقنا إلى أسمى فضيلة أخلاقية وأكرمها في قوله تعالى "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" "فصلت 34" إنها دعوة واضحة إلى التسامح، ولكن المسلمين لم يدّبروا آيات القرآن رغم الإشارة الإلهية في قوله تعالى "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبّروا آياته وليتذكر أولو الألباب" "ص 29".


فالمطلوب من الإنسان أن يغور في كل الآفاق وفي نفسه باحثا عن الحقيقة، وقد وعدنا الله بالمساعدة في قوله سبحانه "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد" "فصلت 53". فلم يبق بعد كل هذا إلا أن نؤمن إيمان اليقين أن الإسلام دين الاجتهاد والتفتح والتسامح والتضامن فيه معين لا ينضب من القيم السامية.


وقد استمد "فولتير" من الإسلام مقولته "كلنا ضعفاء وميالون للخطإ، لذا دعونا نتسامح مع بعضنا البعض، ونتسامح مع جنون بعضنا البعض بشكل متبادل وذلكم هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة، المبدأ الأول لحقوق الإنسان".

 روي عن علي بن أبي طالب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع الخير إلى كل بر وفاجر". حقا كما قال إمام الحديث والفقه سفيان الثوري
 "إنما العلم الرخصة من ثقة، أما التشدّد فيحسنه كل أحدفالسماحة سهولة المعاملة وخلق الجود والبذل التيسير وهي حلم والحلم سيد الأخلاق، وهي لين "فمن لانت كلمته وجبت محبته" وهي عفو "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" "الشورى 40".

الإسلام سلام وسلم وخضوع به يحقن الدم ويستدفع المكروه، والمسلم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" حديث صحيح رواه مسلم عن جابر.


مرسلة بواسطة : مدونيتا5:39 م

الوفاء

مدونيتا

معنى الوفـــاء 
الوفاء : كلمة رقيقة تحمل جملة من المعاني الجميلة :
فالوفاء يعني : الإخلاص .
والوفاء يعني : لا غدر ولا خيانة .
والوفاء يعني : البذل والعطاء .
والوفاء : تذكّر للود ، ومحافظة على العهد .

وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود فقال سبحانه : { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } – المائدة

1 - ، ومن أوثق العقود التي يجب الوفاء بها : عقد النكاح ، وشروطه أولى الشروط بالوفاء .
جاء في الحديث : (( أحقُّ الشروط أن توفُّوا به ما استحللتُم به الفروج )) رواه البخاري ، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه .

والوفاء بين الزوجين الذي أودُّ الحديث عنه هنا لا يقتصر على الالتزام بأمر شرطه أحد الطرفين على الآخر حين العقد ، بل يتعدّاه ليشمل كل معنى جميل تشمله كلمة الوفاء .
فهو يشمل تفاصيل الحياة بين الزوجين ؛ ليعيش كل منهما وهو يحمل في قلبه حباً ووُدّاً ورحمة وتقديراً وإخلاصاً لا متناهياً تجاه الطرف الآخر .

فالوفاء يعني : البذل والعطاء والتضحية والصبر ، وذلك بالاهتمام بمن كنت وفياً به ، والحرص عليه ، وعدم التفريط فيه ، والخوف عليه من الأذى ، ومراعاة شعوره وأحاسيسه ، وتقدير جهوده ، والشكر لصنائعه ، وعدم إفشاء سره ، والحفاظ على خصوصياته ، والعمل على إسعاده ، والثناء الحسن عليه ، وذكر محاسنه ، وتجاهل أخطائه ، والذكرى الجميلة لعهده وأيامه بعد فراقه .

فليس مع الوفاء ترصُّد ، ولا تصيُّد ، ولا إساءة ، ولا ظلم ، ولا نكران ، ولا جرح ، ولا قدح ، ولا .. ولا..

والوفاء بمفهومه الشامل الذي أوضحناه لا يتحقق إلا إذا كان بناء هذه العلاقة منذ البداية سليماً متيناً راسخاً ، يقوم على مبادئ ، ويسعى لتحقيق أهداف .
فمن تزوج للجمال فقط ، تلاشى الوفاء في علاقته عند فقد الجمال .
ومن تزوج للمال فقط ، ضاع الوفاء مع فقد المال .
لكن من كانت الأولوية عنده في هذا العقد والعهد للدين والخلق ، مراعياً قول خير البرية صلى الله عليه وسلم : (( فاظفر بذات الدين )) ، وقوله : (( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )) ، فحري بهذا أن ينعم بالوفاء والهناء .
إن قضية الوفاء لا تتحقق إلا إذا تضافر لها ثلاثة عناصر : الحب ، والإنسانية ، والإيمان ، فالحب محرِّك الوفاء ، والإنسانية ضمانه وبها استمراره ، والإيمان هو الضابط له ، وبه يكمل ويربو .
وبين يديك الخطوط العريضة لمعالم الوفاء بين الأزواج رسمها لك سيد الأوفياء عليه الصلاة والسلام ، من جعله الله تعالى الأسوة الحسنة ؛ ليستنير بهديه ويسير على دربه المؤمنون .
أخرج البخاري بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت : ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غِرْتُ على خديجة ، وما رأيتُها ، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكْثِر من ذِكْرِها ، وربما ذبح الشاة ثم يُقَطِّعُها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق – أي : صديقات – خديجة .
فربما قلت له : كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة !
فيقول : (( إنها كانت ، وكانت ، وكان لي منها ولد )) .
فصلَّى الله وسلَّم على أكرم الخلق ، وحافظ العهد .
فقد كان صلى الله عليه وسلَّم وفياً لخديجة في حياتها ، ووفياً لها بعد وفاتها ، فهو يذكر أعمالها وأخلاقها ، وأيامها وعهدها ، رضي الله تعالى عنها .
كيف لا ، وهي التي آثرته ورغبت فيه ، وهي أول من صدَّقه وآمن به ، وهي التي ثبَّتَتْ فؤاده وقوَّت عزيمته ، وكانت البلسم الشافي لآلامه وأحزانه .
هي التي واسته بمالها ، وهي التي رزق منها الولد ، وهي التي حفظت عهده ، وحافظت على بيته وولده ، وهي .. وهي ..
فنالت بسبب هذا الوفاء العظيم ما جاء في الحديث الشريف : (( بشِّروا خديجة ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ولا نصب )) رواه البخاري .
وعند الطبراني من حديث فاطمة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله ، أين أمي خديجة ؟ فقال : (( في بيت من قصب )) . قلت : أمن هذا القصب ؟ قال : (( لا ، من القصب المنظوم بالدرِّ واللؤلؤ والياقوت )) .
قال السُّهَيلي : (( النُّكْتة في قوله (( من قصب )) ولم يقل : من لؤلؤ : أن في لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السَّبْق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها )) .
وقال ابن حجر : (( وفي القصب مناسبة أخرى من جهة استواء أكثر أنابيبه ، وكذا كان لخديجة من الاستواء ما ليس لغيرها ؛ إذ كانت حريصة على رضاه بكل ممكن ، ولم يصدر منها ما يغضبه قط ، كما وقع لغيرها )) .
وقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاءها بوفاء أعظم منه ، فكان من وفائه لها :
1- الحزن الشديد على فراقها ، كما جاء عند الحاكم من حديث حبيب مولى عروة .
2- ومن وفائه صلى الله عليه وسلم لها : أنها كان يصرِّح بحبه لها حتى بعد وفاتها .
ففي حديث عائشة رضي الله عنها عند ابن حبان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إني رُزِقْتُ حبَّها )) يعني : خديجة .

3- الإكثار من ذكرها ، كما تقدم : (( إنها كانت وكانت )) يذكر ماذا ؟!.
 إنه يذكر محاسنها : إيمانها وتصديقها ، وثباتها وتثبيتها ، إنه يذكر أخلاقها الفاضلة ، وعاداتها الجميلة ، والتزامها ، وأدبها ، واحترامها ، وحسن عشرتها ، إنه يذكر بيتها الهادئ ، وحياته الهانئة معها ، ويذكر ويذكر .
وهذا هو الوفاء العظيم الذي ينبغي أن يسير عليه كل من اتَّخذ المصطفى صلى الله عليه وسلم قدوته .
فإن كان ثَمَّ أخطاء للزوجة ، فإن مسلك الأوفياء : تجاهل الأخطاء ، والتجاوز عنها ، وعدم إفشائها ونشرها ، مع مراجعة الذاكرة للبحث عن المحاسن والإيجابيات .
قال صلى الله عليه وسلم : (( لا يَفْرَكْ  مؤمن مؤمنة – أي : لا يبغض –، إن كره منها خلقاً ، رضي منها آخر )) رواه مسلم من حديث أبي هريرة .

وصدق القائل :
ومن ذا الذي تُرْضَى سجاياه كلُّها                    كفى المرءَ نُبْلاً أن تُعَدَّ معايبُه

4- ومن وفائه صلى الله عليه وسلم لخديجة : أنه كان يَبَرُّ صديقاتها ومن يحبُّها ، ويهتمُّ بهنّ حتى بعد وفاتها ، يذبح الشاة ويقطّعها ثم يرسلها إليهن .
وكان يصل الواحدة منهنَّ بالهدايا المختلفة ، فقد أخرج ابن حبان من حديث أنس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أُتِي بشيء قال : (( اذهبوا به إلى فلانة ، فإنها كانت صديقة لخديجة )) ، ولفظ الحاكم : (( اذهبوا به إلى فلانة ؛ فإنها كانت تحب خديجة ))  وما ذاك إلا وفاء لخديجة ، وبراً بها ، وحباً لها ، وإحياء لذكراها الجميلة على قلبه الشريف صلى الله عليه وسلم .

5- ومن وفائه لها : أنه أكرم امرأة زارته بعد وفاتها ؛ لصلتها بها ، وما ذاك إلا وفاء لعهدها .
أخرج ابن عبد البر من حديث عائشة قالت : جاءت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها : (( من أنت؟ )) فقالت : أنا جثامة المزنية . قال : (( كيف حالكم ؟ كيف أنت بعدنا ؟ )) . قالت : بخير ، بأبي أنت وأمي يا رسول الله .
فلما خرجت قلت : يا رسول الله ، تُقْبِلُ على هذه العجوز هذا الإقبال ؟! فقال : (( إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان )) .
وفي بعض الروايات أن هذه العجوز هي أم زفر ماشطة خديجة .

6- ومن وفائه لها : أن كان يذكر أيامها ، ويثني عليها ، ولا يرضى من أحد أن يتكلم عنها بمكروه .
أخرج أحمد من حديث عائشة قالت : ذكر رسول اله صلى الله عليه وسلم يوماً خديجة ، فأطنب في الثناء عليها ، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة ، فقلت : لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين . قالت : فتغيَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيُّراً لم أره تغيَّر عند شيء قط ... الحديث .
وكان يكثر من ذكرها ويبالغ فيه حتى قالت عائشة : (( كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة )) .
تلك هي معالم الوفاء التي ينبغي أن تبنى العلاقات الأسرية على أساسها ، تلمّسناها من هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام سيد الأوفياء .
فحري بأهل الإيمان أن يكون الوفاء شعارهم ، وعنوان حياتهم ، ليحققوا السعادة ، ويهنئوا بالحياة.

بحث عن الوفاء

مرسلة بواسطة : مدونيتا5:34 م

صفية زغلول

مدونيتا

صفية مصطفي فهمي
 زوجة الزعيم المصري سعد زغلوللقبت باسم "صفية زغلول" نسبة إلي اسم زوجها.ولدت في عائلة إرستقراطية وكان والدها، مصطفى فهمي، التركي الأصل، من أوائل رؤساء وزراء مصر منذ عرف نظام الوزارة بمصر في أوائل القرن التاسع عشر.

صفية مصطفى فهمي والتي لقبت باسم صفية زغلول ولدت عام 1878م وتوفيت قي 12 يناير 1946 تاركة وراءها حياه غير تقليدية للفتاة المصرية والزوجة المخلصة المؤمنة بزوجها ؛ هي حرم سعد زغلول احد أكبر وأقوى زعماء مصر وقائدة ثورة 1919 في مصر.

صفية زغلول " أطلق عليها الجميع لقب "أم المصريين " وذلك لعطائها المتدفق من أجل قضية الوطن العربى والمصري خاصةً، حيث خرجت على رأس المظاهرات النسائية من أجل المطالبة بالاستقلال خلال ثورة 1919. وقد حملت لواء الثورة عقب نفى زوجها الزعيم سعد زغلول إلى جزيرة سيشل، وساهمت بشكل مباشر وفعال قي تحرير المرأة المصرية.
بعد رحيل زوجها سعد زغلول عاشت عشرين عاما لم تتخل فيها عن نشاطها الوطني لدرجة أن رئيس الوزراء وقتها " إسماعيل باشا صدقى " وجه لها إنذارا بأن تتوقف عن العمل السياسى إلا أنها لم تتوقف عن العمل الوطني بالرغم من هذه المحاولات.

في عام 1921 خلعت صفية الحجابَ لحظةَ وصولِها مع زوجها سعد زغلول إلى الإسكندرية، كانت مثقفة ثقافة فرنسية، ومنحها سعد الحرية الكاملة لثقته بها، وقيل انها أول زوجة زعيم سياسي عربي تظهر معه سافرة الوجه دون نقاب في المحافل العامه والصور، بل وتتسمى على الطريقة الغربية اي باسمه لا اسم عائلتها.
كانت المرحلة الأولى لإزالة النقاب تدريجيه حيث طلب سعد زغلول من بعض النساء اللواتي يحضرن خطبه أن يزحن النقاب عن وجوههن. وهو الذي شجع نور الهدى محمد سلطان مكونة الاتحاد النسائي المصري والتي اشتهرت باسم : هدى شعراوي على نزع النقاب وذلك عند استقباله في الإسكندرية بعد عودته من المنفى. واتبعتها النساء فنزعن النقاب بعد ذلك.

قي حياتها معه يخوض سعد زغلول الشاب المصري وصفية معارك في مواجهة الإنجليز، أسفرت عن رصيد هائل من الشعارات والتنديدات؛ وإنجاز آخر مهم هو تتويج السيدة صفية أماً لكل المصريين بعدما أقصى الإنجليز زوجها خارج البلاد، فأصدر "أم المصريين" بياناً تمت قراءته على المظاهرات الكبرى التي أحاطت بـ "بيت الأمة"(بيت سعد وصفية) وجاء في هذا البيان الذي قرأته سكرتيرة السيدة صفية : "إن كانت السلطة الإنجليزية الغاشمة قد اعتقلت سعداً ولسان سعد فإن قرينته شريكة حياته السيدة صفية زغلول تُشهد الله والوطن على أن تضع نفسها في نفس المكان الذي وضع زوجها العظيم نفسه فيه من التضحية والجهاد من أجل الوطن، وأن السيدة صفية في هذا الموقع تعتبر نفسها أماً لكل أولئك الأبناء الذين خرجوا يواجهون الرصاص من أجل الحرية".

وبعد أن ألقت سكرتيرة صفية زغلول هذا البيان على المتظاهرين هتف أحد قادة المظاهرة قائلا: "تحيا أم المصريين"، ومن يومها أصبح لقب السيدة صفية زغلول هو "أم المصريين"، وبقي هذا اللقب مرتبطا بها إلى الآن وبعد رحيلها في منتصف أربعينيات القرن الماضي، أي منذ ما يقرب من ستين سنة.. الجمعية الوطنية للدفاع عن الحقوق والحريات تؤكد قي عرضها لشخصية اليوم أن المرأة المصرية كانت مساندة ومناضلة لزوجها قي كل ظروف ومحن حياته وتحدت الجميع وأعلنت بكل شجاعة أنها تعتبر نفسها أماً لكل المصريين الذين خرجوا يواجهون الرصاص من أجل الحرية.
بحث عن صفية زغلول

مرسلة بواسطة : مدونيتا5:30 م